يحيي بن حمزة العلوي اليمني

106

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فيها خلاف بين النحاة ، فمن قائل إنها كالأفعال فتكون في الإثبات إثباتا ، وفي النفي نفيا ، ومن قائل إنها تخالف الأفعال ، فتكون في الإثبات للنفي وفي النفي للإثبات ، وصار صائرون إلى التفرقة ، فتكون في الماضي إذا نفى للإثبات ، وفي المستقبل كالأفعال ، تمسّكا بقوله تعالى : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) [ البقرة : 71 ] وقد فعلوا ، والمختار أنها جارية على حكم الأفعال في النفي والإثبات ، فإذا قلت : ما كاد يفعل ، فالغرض أنه لم يفعل ولا قارب الفعل ، وإذا قيل : يكاد يفعل ، فالمراد من ذلك أنه قارب فعله ولم يفعله ، فتجدها مطابقة للأفعال في نفيها وإثباتها ، فأما ما قاله ذو الرمة في قصيدته الحائية « 1 » : إذا غيّر النأى المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح فإنه يحكى أنه لما أنشد هذا البيت ، ناداه ابن شبرمة ياغيلان أراه الآن قد برح ، فشنق ناقته ، وجعل يتأخر بها ويفكر ثم قال : إذا غيّر النأى المحبين لم أجد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح قال عنبسة فحكيت لأبى القصة فقال أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ، وأخطأ ذو الرمة ، حيث غيّر شعره لقول ابن شبرمة ، إنما هذا كقول الله تعالى : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [ النور : 40 ] والمعنى أنه لم يرها ولم يقارب رؤيتها ، وهكذا القول في جميع مواردها يكون وضعها على هذا الوضع من غير مخالفة للأفعال . الصنف الثالث في الحروف واعلم أن الكلام في أسرار الحروف يتعلق بعلم الإعراب ، وإنما نذكر أفرادا من الحروف لها تعلق بالبلاغة ومواطن الفصاحة ، ونورد من ذلك صورا : « الصورة الأولى » [ « إنما » ] في قولك : إنما أنت الكريم ، وهي ترد للحصر فيما هي فيه ، فمعنى إنما في قوله تعالى : أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ الكهف : 110 ] ما إلهكم إلا إله واحد ، قال أبو علي الفارسي في الشيرازيات ، يقول جماعة من النحاة في قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما

--> ( 1 ) البيت لذي الرمة ، وهو في ديوانه / 43 ، وشرح الأشمونى 1 / 134 ، وشرح المفصل 7 / 124 ، ولسان العرب « رسس » .